من تراثنا الخالد

- بغداد مدينة السلام

- سلالة بابل الاولى (العصر البابلي القديم)

- بلاد ما بين النهرين

- المدينة السومرية

- الفن الاشوري

- المدينة الكلدانية

 

 

 

 

 

- بغداد (مدينة السلام):

    اتفقت كلمة المؤرخين وأهل اللغة على ان لفظة "بغداد" ولذلك اختلفوا اختلافاً كبيراً في ضبط حروفها، شانهم في الكثير من الألفاظ الأعجمية التي لا يهتدون فيها إلى أصل (معروف. بَغداد، وبغداذ، وبغذاد، وبغذاذ، وبغدان، وبغدين، ومغدين، ومغدام، وبغذان، وبهداد). وهذا الاختلاف أما ناشئ عن أصل لفظة الأعجمي أو انه نشأ بعد ذلك من تحريفات العامة لغرابة هذا الاسم على ألسنتهم. وكان المتورعون من الأقدمين يكرهون إطلاق هذا الاسم على عاصمة العباسيين لما أصله من معنى الشرك. فزعم بعضهم إن هذا اللفظ مركب من كلمة "بغ" وهو البستان و "داد" وهو اسم صنم للعجم وجملة المعنى "بستان صنم" وقال بعضهم إن "اسم رجل" فيكون المعنى "بستان رجل" وزعم آخرون إن "بغ" صنم و "داد" عطية والمعنى "عطية الصنم" على طريقة العجم في المتضايفين. وزعم آخرون إن "بغ" اسم صنم لبعض العجم كان يعبده "داد" رجل. وقال بعض المحققين إن الاشتقاق الصحيح لهذا الاسم جاء من الكلمتين الفارسيتين القديمتين "بغ" أي "الله" و"داد" أي تأسست أو "تأسيس" فيكون جملة المعنى "أسسها الله" أو "مؤسسة الله". وقال بعض الفضلاء المعاصرين: "إن اسم بغداد إرمي مبنى ومعنى" وهو مؤلف من كلمتين من "ب" المقتضبة من كلمة بيت عندهم وكثيراً ما تقع في أوائل أسماء المدن مثل بعقوبة.. واللفظة الثانية " كداد " بمعنى غنم أو ضأن.. فيكون مفاد "بكداد" مدينة أو دار أو بيت الغنم أو الضأن، وحيث انه كانت هناك سوق فمن المحتمل أنهم كانوا يبيعون فيها الغنم والضأن في أول الأمر. وبالجملة فأن القول في أصل اشتقاقها لا يخلو من الشك والتخمين، وليس هناك فائدة كبيرة في هذا الاختلاف. قال أبو حاتم السجستاني: سألت أبا سعيد الأصمعي كيف يقال بغداد أو بغداذ؟.. فقال: قل "مدينة السلام". وهو من أسمائها العربية، وبهذا الاسم كانت تضرب النقود العباسية. ومن أسمائها العربية "دار السلام" وفيه أشار إلى الآية الكريمة "لهم دار السلام عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون" والذي يتتبع أحول العباسيين في صدر دولتهم، أنهم كانوا مولعين بالتفاؤل الديني ويريدون من مدينتهم هذه إن تكون نموذجاً للجنة التي وعد بها المتقون، وقد انشأ فيها قصرا أسموه "قصر الخلد" إشارة إلى جنة الخلد، وآخر أسموه "الفردوس" إشارة إلى جنة الفردوس. ومن أسماءها "مدينة المنصور" و "الزوراء". وكان هذان الاسمان في أول الأمر لا يطلقان إلا على المدينة المدورة  التي أنشأها المنصور أول ما انشأ. ومن أسمائها "دار الخلافة". وقد صَرَّف العرب كلمة بغداد فقالوا: تبغدد الرجل إذا انتسب إليها أو تشبه بأهلها على قياس تمعدد وتعرب إذا تشبه بمعد والعرب أو انتسب إليهما. وقال المولدون: تبغدد الرجل علينا إذا تكبر وتعاظم، وفيه إشارة إلى ارتفاع مكانة بغداد و البغداديين في تلك العصور. وبغداد في جميع لغاتها هذه تذكر وتؤنث ويقال هذه بغداد وهذا بغداد. وقد اخبرني المحقق الفاضل أبو الحسنات المدرس في جامعت فؤاد الأول إن في الهند إمارة تحكمها أسرة ترجع بنسبها إلى بني العباس ولا تزال تحافظ على تقاليدها وعاداتها، واسم عاصمتهم "بغداد".

 

- العصر البابلي القديم

    وفي أوائل الألف الثاني قبل الميلاد قامت في العراق أسرة حاكمة جديدة عرفت بسلالة بابل الأولى (1894 1595ق.م.)  اشتهرت بملكها السادس حمورابي (1728 1686ق.م.) الذي جمعت في شخصه خصالا فذة جعلت منه القائد والسياسي والمصلح والمشرع فاستطاع بهذه الخصال أن يوحّد البلاد. ثم وقعت حرب ضروس بينه وبين الدخلاء العيلاميين  أظهر خلالها حمورابي من حسن التدبير والحزم ما مكّنه من تمزيق جموعهم شر ممزق. ومدّ فتوحه بعد ذلك إلى شمالي بلاد الرافدين وإلى جهات الهلال الخصيب الأخرى. ومن أعماله المهمة سنّ شريعة واحدة تسري أحكامها في جميع أنحاء المملكة عرفت بقانون حمورابي التي تعد من أولى الشرائع المتكاملة في العالم حيث تجمع بين القانونين المدني والعقوبات فضلا عن الأحوال الشخصية. إن أهم ما تمّيز به العصر البابلي القديم اتساع المدن وكثرتها, كما حدث تطوّر مهم في العلوم والمعارف البشرية حيث انتقلت من أطوارها العملية إلى طور التدوين والبحث بعد بداية ظهور العلوم البشرية الحقة كانت في هذا العصر. ليس هذا فحسب بل إن الحضارة من بلاد الرافدين قد أخذت طريقها في العصر البابلي القديم إلى جميع أنحاء المشرق وإلى أطراف العالم القصية.

 

- بلاد ما بين النهرين

    كانت بلاد ما بين النهرين من أقدم العصور مسرحاً للغزوات والحروب.. فالمنطقة ممر طبيعي بين الشرق والغرب وفيها تقابل الغزاة الواردون من خلف الأقطار، فتركوا فيها بين كر الحروب وفرها وشروق المدنيات وأفولها آثاراً فنية ظاهرة. ومما هو جدير بالذكر إن لكل من تلك المدنيات المتعددة معالم فنية خاصة ولكننا سنقتصر فيما يلي على ذكر الطابع الفني لثلاث منها وهي السومرية، والأشورية والكلدانية. إن الآثار الفنية الأولى التي اكتشفها المنقبون في هذه المنطقة ترجع إلى العهد (النيولوتيكي) ولكنه للأسف عند المختصين ما يسمح لهم بوصف تلك المدنيات المغابرة بشكل واضح.. فمعدن التربة يفتقر إلى العناصر الصخرية، ولذلك لم تستطع الآثار مقومة سير الزمن وقسوة الطبيعة.. وأقدم ما استطاع وصفه العلماء بدقة من بين مدنيات فجر التاريخ هي المدينة (السومرية_ الاكدية).

 

- المدينة السومرية

    لقد أدى دخول قبائل (سومر) إلى جنوب وادي الدجلة والفرات ثم اختلاطها ببعض القبائل (السامية) إلى ظهور مدينة احتفظت باسم (المدينة السومرية) ويمكن تحديد مدة بقائها من سنة 4000 إلى سنة 1925 قبل الميلاد.. وقد تركت هذه المدنية اثار عديدة وازدهرت تحت لوائها مدن كبرى أمثال (أور)، (لقش)، (بابل).وعلى جدران القصور والمعابد والبروج التي شيدها السكان في ذلك العهد رسوم تحي لنا الماضي بشكل واضح، ويبدو إن الدين والعقائد وإحداث الحياة العامة كانت هي مواضيع الصور المحفورة على جدران تلك المعابد والقصور،  ومن ثم تستطيع القول بان مصادر الإلهام الفني في فجر التأريخ عن الشعوب المختلفة كانت متشابهة إلى حد كبير ولكنها مع ذلك تحمل خصائص متباينة، فالموت عند قدماء المصريين هو الطريق إلى الخلود. في حين كان أهل ما بين النهرين ينعتون دار الفناء باسم (المكان الذي لا يرجع منه احد) ويقتصر دينهم على عبادة الإلهة الطبيعية لاتقاء شرورها أو للحصول على الرزق الوفير أمثال (انليل، مردخ، شمش، نينورتا) ومن بين تلك الالهة بعض ملوكهم امثال (جوديا ملك لقش) ومن بين المخلفات التي تستطيع إن تعطي لنا صورة واضحة لنوع الرسوم التي ازدهرت في عهد المدنية (السومرية السامية) وما نجده على جدران معبد (نينكورساي) الهة الام قرب مدينة اور فالنقوش والطيور والحيوانات والاشكال الإنسانية المحفورة على جدران هذا المعبد تظهر بلونها الناصع وتمتاز بالدقة والانسجام.. فالتوازن الموجود في طريقة عرضها والتناسب الهندسي في انتقاء الاحجام والاشكال يدعو إلى التقدير والإعجاب.

    يقول علماء الآثار إن الرسم بالألوان كان معدوماً في ذلك العهد ويعتقد مستر (وولي) الخبير في هذا الشأن إن وجود الألوان المتفاوتة في بعض الرسوم يرجع إلى جهود من أرادوا الإصلاح والترميم فيما بعد. كانت الألوان تستعمل لطلاء الجدران احياناً وكانت لها معان رمزية في البروج المسماة (بالزقارة) التي كانت تنتهي بمعبد للالهة والزقارة التي في مدينة اور تتكون من فناء ابيض اللون يعلوه طابق اسود يرمز إلى العالم السفلي أما الطابق الثاني فهو احمر اللون ويمثل الارض واستعمل اللون الازرق لطلاء جدران المعبد كما استعمل للقبة طلاء ذهبي يرمز إلى السماء والشمس. كان الصلصال والحجارة المختلفة في المواد التي تنقش عليها الرسوم أو الكتابة.. ومن اجل اثار ذلك العهد لوحة حجرية في دار اثار الجامعة في فيلاديلفيا وهي تمثل الملك (اورنامو) وهو يسكب قربان خمر في اناء الاله (نانار) الجالس على يمينه.. ومعنى ذلك إن (نانار) الذي يحمل معولاً وصولجان يأمره ببناء معبد له. واغلب ما نجده من اثار فنية على الجدران واللوحات هو صور لحياة الالهة والحكام في تلك المنطقة. ومن الادلة على براعة النحت في ذلك العهد ما نراه على الاسطوانات لا يزيد حجمها عادة على البوصة ونصف البوصة، وصنعت من الحجر أو العقيق أو المرمر أو غيرها من الاحجارا لصلبة لختم المخطوطات الرسمية. كانت تلك الوثائق تحفر على لوحات من الصلصال ثم تختم بتلك الأختام الاسطوانية وتحمل بعض عذه الأختام صوراً دقيقة هي أية أية في فن النحت ومن أجملها ختم الملك (سرجون الأول) الموجود حالياً في متحف باريس فهو مصنوع من حجر الدم الأحمر اللون وعليه صورتان (لكلكامش) البطل الخالد والمياه تتسرب من بين يديه ويقف وراء كل من الصورتين ثور اشرأبَّ عنقه نحو الماء المتدفق وبين قرون الثورين لوحة تحمل اسم (سرجون). وكان أهل تلك المنطقة يتمتعون أيضا يتمتعون ببراعة مشهودة في صقل المعادن والخزف ونحت التماثيل. ووصل في المدنية (السومرية السامية) إلى الذروة في عهد الامبراطورية البابلية الأولى. ولكن فن الرسم حينئذ كان يقتصر على نقش صور بارزة على لوحات الصلصال أو الجدران أو الاسطوانات الحجرية.. وفي تلك الرسوم صورة حية لتاريخ مدينة عظيمة اخرجت للوجود لوحة حمورابي الخالدة.

 

- ازدهار الفن الآشوري

    أما الفن الآشوري الذي ازدهر على وجه التقريب من سنة ألف إلى سنة 612 قبل الميلاد. فقد احتفظ بالأسس الفنية السومرية مع إضافة خصائصه.. ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في البناء والنحت. كان الآشوريين شعباً عسكرياً مشهوراً بالبأس والفتك، وكان ملوكهم يعشقون الأبهة والفخامة. فقصورهم الرحبة تحمل آثار العظمة والجاه وعلى جدرانها صور لحياتهم العادية التي كانوا يقضونها في الحرب والصيد ويظهر الثور المجنح ذو الوجه الإنساني بكثرة بمداخل القصور الملكية وعلى بعض جدرانها رسوم مصنوعة من الخزف البراق. وتختلف مصادر الرسوم المنحوته، فبعضها كاملة الاستدارة. أما بقيا برج (أور_ نامو) مدينة الكلدانيين الأثرية العريقة التي يعتقد أنها مسقط رأس سيدنا إبراهيم الخليل عليه السلام وقد وجدت أبراج شبيهة به في جميع المدن الكلدانية الكبيرة حيث استخدمت معابد خاصة لإلهتهم وكان كل منها يتألف من ثلاثة إلى سبع طوابق شيدت من (الآجر المشوى والملاط،) ويستدق حجمها كل ما ارتفعت في علوها وكان يعلو كل منها معبد صغير لا يستخدم إلا في المناسبات خاصة فوق بوابة عشتار الالهة البابلية المشهورة كما هي عليه في الوقت الحاضر، أما إلى اليسار نموذج للبوابة المذكورة كما كانت عليه عندما شيدها الملك (نبوخذ نصر الثاني) ما بين سنتي 600 و 550 قبل الميلا د وقد كانت جدرانها مرصعة بصور الثيران والتنانين والاسود وهي الحيوانات المقدسة لدى الالهة عشتار وأصول التنسيق فيها كما مبين في الصور إن فن التزيين والنقش كان قد وصل إلى درجة عظيمة من الكمال كما يظهر ذلك جلياً في قصور نينوى.

 

- المدنية الكلدانية

    أما المدنية الكلدانية فلم يكتب لها الدوام طويلاً ويمتد بقائها من سنة 612 إلى سنة 539 قبل الميلاد ولكنها مدنية تركت آثار عظيمة للعلم والفن على حد سواء. فقد اهتم أصحابها بتجديد مدينة بابل وتزيينها وأضافوا بوابة (عشتار) المشهورة إلى البناء القديم واحتفظ الكلدانيون بالأسس الفنية الموروثة في ربوع بلاد ما بين النهرين. فاللوحات تعطي صور واضحة واقعية لمظاهر الحياة في هذا الوادي وان الرسوم وتلك النقوش الخالدة تروي لنا الكثير عن أخلاق الشعوب التي توالت في بلاد ما بين النهرين وعاداتها وعقائدها بل هي خير ما يحدثنا عن حكمة السومريين وصلابة الساميين وبأس الأشوريين وحنكة الكلدانيين الذين عاشوا في منطقة يقال أنها كانت مسرحا (لجنة عدن).   

للعودة الى بداية الصفحة